|
www.hesbh.com - موقع الحسبة |
| بسم الله الرحمن الرحيم الإنحراف الفكري
إنَّ الحمدَ لِله نحمدهُ ونستعينهُ , ونستغفرهُ , ونعوذُ باللهِ من شرورِ أنفسنا , ومن سيِّئاتِ أعمالِنا , منْ يَهدهِ اللهُ فلا مُضلَ لهُ , ومنْ يُضلل فلا هاديَ له . وأشهدُ أنَّ لا إله إلا الله وحدهُ لا شريكَ له وأشهدُ أنَّ محمداً عبدهُ ورسوله . أما بعد فلا غرابة أن نرى أو نسمع أو نشاهد شيئاً من عداوة الكفار يختلف أدينهم وأهدافهم .. ولكن المستغربَ حقاً أن نُهدد من داخل بيوتنا ، وأن تُشن حملاتٌ ظالمةً وجائرةً على ديننا وقيمنا من أبناءِ جلدتنا وممن ينتسبون إلى إسلامِنا . أقسامهم : وهؤلاء ليسوا على نمط أو أصل واحد فمنهم العَلماني الصريح ، والعَصراني أوالعقلاني كما يسمون أنفسهم ، و الحداثي و المستغرب . لكن الأهم من هذه التسميات أن نعرف انتماءَهم وجذورَهم الفكرية . فهذا أحد أصحابِ هذه المدرسةِ يربط بين ثقافتهم وثقافة الغرب وتاريخهم ، ويقول : إن الحديث عن حَداثةٍِ عربية مشروطٌ تاريخياً بوجود سابق للحداثة الغربية ، وبامتداد قنواتِ للتواصل بين الثقافتين » [1].. و ( العلمانية ) التي يُوصفون بها أحياناً ، لا يكتفون بالانتماء إليها ، بل ويبلغ الهوسُ بهم وبها حداً يتهمون ( القرآن الكريم ) بالعلمنة ؟ ويقول قائلهم إن الدراسة المُعمّقةَ للقرآن الكريم تُبين أنه عَلماني المنحى وإنما حوَّله المسلمون إلى وجهة دينية ؟! [2] معالم المرحلة العلمانية الراهنة ( أبرز سماتهم ) أولاً: تسويق التبعية: مع كثرة الهزائم والنكسات السياسية والحضارية التي تشهدها البلاد الإسلامية؛ ازداد التخبط والاضطراب، وتكاثر المتهوكون في أودية الباطل.. أولئك المنهزمون الذين لم يجدوا سبيلاً لرفع رؤوسهم إلا بالتقليد المطلق لكل ما هو غربي. ومن آثار هذه الانهزامية الأغلوطات الفكرية والإعلامية المستمرة، التي تطاير شررها في الحاضر والباد، واكتظت الصحافة العلمانية والقنوات الفضائية بثرثرة مملَّة، فيها كل شيء ما عدا الكلام العلمي الذي يبني العقل ويربي الخلق..! وأكتفي بمثالين صارخين: المثال الأول: موقف بعض هؤلاء الصحفيين من الغزو الأمريكي للعراق، فها هو ذا أحد مثقفيهم يقول: (إنني من أكثر الناس تفاؤلاً بقدوم أمريكا إلى العراق، وعندي أسباب عديدة؛ أولها: أن أمريكا لم تدخل بلداً إلا وحسَّنت من أوضاعه؛ فهي دخلت اليابان وكوريا، وألمانيا، وغيرها من البلدان، والنتيجة أن هذه الدول أصبحت من الدول المتقدمة في الاقتصاد والعلم..)، ثم ختم مقاله بقوله: (إنني واثق أن أمريكا ستلعب في منطقتنا دور المعلم الحازم الذي يريد النجاح لتلاميذه، حتى لو تطلب ذلك درساً قاسياً. إن العالم العربي لن يتغير من تلقاء نفسه، لذلك أقول: أهلاً بالنموذج الأمريكي الحر، وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم)[3]. المثال الثاني: موقف أولئك المهزومين إزاء القانون الفرنسي الفج من الحجاب الإسلامي؛ حيث تسابقوا على تسويقه والتماس المعاذير له بتملق وتكلف لا يخفى، وأسرف بعضهم في الهجوم على الحجاب والقيم الإسلامية، ونعى على المسلمين بسخرية وشماتة تخلفهم ومتاجرتهم بـ (فقه الآخرة!)، وبتعلقهم بتلك الشكليات التي تقيد الحركة وتنتهك الحقوق! حتى إن فضيلة الشيخ صالح الحصين مدير الحوار الوطني عندما كتب رسالة باسم أعضاء الحوار الوطني إلى الرئيس الفرنسي جاك شيراك، يستنكر فيها ذلك القانون، لم يسلم من النقد اللاذع حتى من بعض ممثلي التيار الليبرالي من أعضاء الحوار الوطني. ثانياً: الدعوة إلى تغيير الواقع الاجتماعي: (لا يعقل أن دولة تتربع على أضخم مخزون نفطي عالمي تبقى خارج النسق العالمي، وخارج منظمة التجارة العالمية، بسبب أوضاع وأحوال اجتماعية يتردد الجميع في تغييرها.. لا بد من التغيير ولا سبيل لمحاربة تيار التغيير!). بهذه العبارات الفجة خاطب الرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون المجتمعين في منتدى جدة الاقتصادي. والتغيير الاجتماعي في مجالي الأسرة والمرأة تحديداً من أكثر مشاريع التغيير إلحاحاً في المشروع العلماني المحلي، وأرجو أن لا أكون مبالغاً إذا قلت بأن ساحة الصراع والتدافع القادمة في السعودية إنَّما هي في قضية المرأة خصوصاً..! بل حتى على المستوى الرسمي حرصت وسائل الإعلام على إبراز مشاركات المرأة السعودية في المنظمات الدولية، والمنتديات الاقتصادية كمنتدى دافوس. وها هو ذا أحد كتابهم يتسأل عن أسباب اختلال الأمن في السعودية على يد (السلفية الجهادية الآثمة!)، ثم يقول: هل كان هذا بسبب ذنوبنا حسبما يخبرنا رجال الدين؟! ويجيب قائلاً: (نعم، ولكن الذنب هذه المرة هو التطرف الديني، والغلو المتضخم في ثقافة المجتمع)، ويفسر هذا الذنب بوضوح قائلاً: (الذنب هو: القبول بصبغ الحياة الاجتماعية كلها بصبغة الأيديولوجيا الإسلامية، والإصرار على إقحام الدين في شؤون الدنيا لإعاقة الحداثة)![4]. ثالثاً: الدعوة إلى تجديد فهم الإسلام: حيث أكد كثير من الإعلاميين ضرورة الفهم الحداثي للدين، وكثرت الدعوات إلى الانفتاح على المذاهب الأخرى العقدية والفقهية؛ بحجة أننا كنا في الماضي في بيئة مغلقة (حنبلية/ وهابية) متشددة، وهذه البيئة مؤهلة علمياً ونفسياً ـ فيما يزعمون ـ للتكفير ومعاداة المخالف، وقد آن الأوان لقراءة النصوص الشرعية قراءة جديدة تتلاءم مع متغيرات الحاضر ومتطلبات العصر. وربما استثمروا ـ ويا للأسف الشديد ـ آراء بعض المنهزمين من المنتسبين إلى العلم والدعوة، ووظفوها توظيفاً ماكراً يخدم مصالحهم، والتي تؤدي في النهاية إلى زعزعة كل الموازين الماضية، وخلخلة كل القيم والثوابت. وفي هذا السياق تأتي الدعوة الملحة لإشاعة ما يسمونه بروح الوئام والتسامح وقبول الرأي الآخر، وإزالة الفوارق بين السنة والمبتدعة، بل بين المسلمين وغيرهم من اليهود والنصارى، وأكد هذا الاتجاه الدعوة إلى ما سمي بـ (الحوار الوطني)! رابعاً: الهجوم على الدعاة والمؤسسات الدينية: استغل بعض الصحفيين المناخ الأمني المتوتر للهجوم على الدعاة، وخطباء الجمعة، وهيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجمعيات الخيرية، وجماعات تحفيظ القرآن الكريم، وجماعات التوعية الإسلامية في المدارس. وأسرف بعض الكتبة في ذلك إسرافاً شديداً، واهتبلوا الفرصة لتصفية حساباتهم مع بعض العلماء والدعاة، واستخدموا أرخص الأساليب، وأسفِّ العبارات، بل لم يتردد بعضهم في التهويل وتحريض الجهات المسؤولة، وصياغة ذلك كله باسم الوطنية، والغيرة على الأمن، والدعوة إلى الإصلاح..!! تجاوز بعضهم ذلك إلى الجرأة على نقد أئمة الإسلام كشيخ الإسلام ابن تيمية، والإمام محمد بن عبد الوهاب ـ رحمهما الله ـ، وأئمة الدعوة، بل ونقد بعض ثوابت الدين، مثل عقيدة الولاء والبراء، والجهاد في سبيل الله.. ونحوهما، ويدخل في السياق الحملة على مناهج التعليم، والمؤسسات الخيرية والدعوية..! ولعل من أبرز الأمثلة ما كتبه عبد الرحمن الراشد في جريدة الشرق الأوسط عن المخيمات الدعوية . [5] وأحسب أن هذا التشنج الليبرالي يمثل أزمة متجذرة في عقلية رؤوس هذا التيار؛ إذ إن قوتهم ونفوذهم مرتبط بأمرين اثنين متلازمين: الأول: محاصرة التيار الإسلامي، وإسقاط رموزه ودعاته، والتضييق على محاضنه ومؤسساته، والحيلولة دون تحقيقه لنجاحات مهمة. الثاني: دعم مشاريع التغريب والعلمنة، فهم المستفيد الرئيس من حملة التغيير والتبديل التي تبنتها الإدارة الأمريكية في المنطقة. وإذا كان الأمر كذلك؛ فلتكن الحرب على الإسلاميين بلا أخلاق أو قيم، وهل ثمة فرصة أثمن من هذه الفرصة لإسقاط الرموز الإسلامية، وعزلها عن المجتمع..؟! خامساً: استقطاب الكتاب وتلميعهم: استقطب الإعلام المحلي مجموعة من الكتاب المحليين حملة الأقلام الملوثة، ممَّن لا يملكون إلا مؤهل الجرأة والحماقة والقدرة على الاستفزاز، ـ مثل: مشاري الذايدي، وعبد الله بن بجاد العتيبي، ومنصور النقيدان.. وغيرهم ـ. وأصبح هؤلاء (النجوم!) من ألمع ضيوف الحوارات التلفزيونية والإذاعية، ومن أبرز كتاب الرأي في الصحافة المحلية، وتطاولوا تطاول الأقزام، ثم انطلقوا لافتعال معارك فكرية، وإثارة شبهات وأهواء، ونشر التعبئة النفسية بين الناس، مستعيرين مداد أقلامهم من سوق نفعية رخيصة..! سادساً: العناية بالإعلام الإلكتروني: من الظواهر البارزة في هذه المرحلة: عناية الاتجاه العلماني السعودي بالإعلام الإلكتروني على الشبكة العالمية (الإنترنت). حيث راحوا يرفعون أصواتهم بكل قبيح ومنكر من القول، وغلا بعضهم غلواً شديداً في فجورهم الفكري، وتمردوا تمرداً سافراً على الدين والقيم، وساعدهم على ذلك استخدام بعضهم لأسماء رمزية يتسترون بها. ومن أبرز المواقع الإلكترونية: موقع إيلاف، ومنتدى طوى، ودار الندوة.. وغيرها. سابعاً: الحملات الإعلامية: صناع الإعلام يعتمدون على قاعدة نفسية خلاصتها: أن الفكرة وإن قلَّ أنصارها والمتعاطفون معها؛ قد تتحول في عقول الناس إلى عكس ذلك إذا كثر عرضها وتردادها بأنماط إعلامية مختلفة، وبدا للناس أن الأغلبية يؤيدونها، وإن كان الأمر في الحقيقة بخلاف ذلك. ومن أبرز الحملات الإعلامية ظهوراً: الحملة على (رئاسة تعليم البنات) بعد حريق مدرسة مكة، والحملة على مناهج التعليم العام.. ونحوهما، وكان لبعض هذه الحملات أثر لا يُنكر في كثير من الخاصة والعامة..! الموقف منهم : 1- لا بد أولاً من الوعي واستشعار هذهِ المخاطر ، ومعرفة أصحابِ اللحن في القول ، ورصد التوجهات ، والتعرف على الصِّلات والارتباطات . 2- ولا بد ثانياً من النصح والمصارحة لهؤلاء فقد يكون من بين هؤلاء مُغترٌ فيعود إلى رشده ، أو جاهلٌ مستغرق في خيالاته ، وتجاربُ من سبقه توقفه على الحقيقة ، وهذه تجربةٌ شجاعةٌ يقول صاحبها – بعد أن هداه الله - « اندفع الفكرُ المتغرب يُشهر حرباً شاملةً على الإسلامِ وأهله ، ظاناً أن في ذلك تحريراً للشعب وللمرأة ، وإطلاقاً للعقل .. ولكنَّه ما درى أن تلكَ الحربَ تأتي ، بنتائج عكسيةٍ تماماً ، إذا بالشعب يُحطِّم ويُشل ، وإذا بالمرأة تتيه وتضيع وإذا بالعائلة تتمزق وتتخبط ، وإذا بالعقل يصبح مغلولاً إلى الغرب ، وإذا بالاستقلال تبعيةً ، وإذا بالتقدم بالاجتماعي مزيداً من التخلف ، ثم وصلت الأمور إلى أن يُعلن ذلك الفِكرُ نفسَه أننا نعيش زمنَ الانحطاطِ العربي ؟![6] 3- ولا بد من تكاتف الجهود مع كل مخلص لحماية البلاد والعباد من خطرِ هؤلاء ، مع اعتبار أن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن » واعتبار أن المركبة واحدة والسلامةُ للجميع . 4- لا بد من مشاريع عمليةٍ ومثابرة في الإعلام والتعليم والتربية والتوجيه والدعوة ، وأن تكون شاملةً للمرأة والرجل والطفل والكبير والمثقف والعادي . 5- لا بد من وضع حدٍ للنقد الصارخ لسياسات الدولة العليا وفي مقدمتها السياسةُ التعليمية والإعلامية ... وأن الإصلاحَ مطلب ولكن تجريدها من عمقها الإسلامي وأهدافها العليا أمرٌ مرفوض . 6- الارتقاء بمستوى وعي الناس عموماً والخيرين خصوصاً ، والجرأة في تصحيح الأخطاء وتطوير الأعمال والمؤسسات حتى تكون المشاريع الإسلامية على مستوى التحدي والقدرة على الجذب والتأثير . 7- ربط الجسور مع كل جهدٍ خيِّر ، والتعاون مع كل عاملٍ مخلص ، وأهمية التواصل مع الآخرين وعدم الانكفاء على الذات فمظلة الدين واسعة ، وهاجسُ حماية الوطن من المؤثرات الخارجية والداخلية هدف يشمل شريحةً كبرى في المجتمع . 8- تعميم توعيةِ الناس بالانحرافات الفكرية والأخلاقية في وسائلِ الإعلام عموماً ، والتنبيه إلى مخاطرِها الواقعة والمستقبلية ، واستنهاض الجميع للاحتساب على المنكر والأمر بالمعروف فليس أضرَّ على الناس من قومٍ يُلبسون عليهم دينهم ويزيفون وعيهم ؟ 9- التواصل مع ولاة الأمرِ من الأمراء والعلماء وأهل الفكر ، وأصحاب المال والجاه والمسؤولية والتشاور معهم في وضعِ حدٍ للمبطلين . 10- التعامل مع الأحداث والمستفزات بحكمةٍ وعمق ، فلا نُخدع ولا نُستفز ، ولا نتعرف بردود الأفعال ، ولا نقابل الخطأ بخطأٍ آخر . 11- إبراز موقف أهل السنة ومنهج أهل السنة في الأحداث والمستجدات . 12- الرفع للقضاء الشرعي في مثل هؤلاء الكتاب . ( 1) القائل : محمد برادة ، والمصدر د. عبد الرحمن الزنيدي : العصرانية في حياتنا الاجتماعية ص 27 . ( 2 ) محمد عابد الجابري ، نقل العقل العربي ، د. الزنيدي ، العصرانية ص 44 . ( 3 ) جريدة الشرق الأوسط، 1/2/4241هـ. [4] (4) عادل بن زيد الطريفي، جريدة الوطن، 71/9/4241هـ. [5] (5) عبد الرحمن الراشد، جريدة الشرق الأوسط، العدد (3029) بتاريخ 71/21/4241هـ. ( 6 ) منير شفيق ، الإسلام وتحديات الانحطاط المعاصر ص 148، 149 / عن د.الزنيدي ، العصرانية س 47 .
|
|
www.hesbh.com - موقع الحسبة |