|
هكذا بدأ الاختلاط
للشيخ/
سليمان بن صالح الخراشي
قال الشيخ علي الطنطاوي :
[
أما
الحرب
التي تواجه الإسلام الآن فهي أشد وأنكى من كل ما كان ، إنها عقول كبيرة جداً ،
شريرة جداً ، تمدها قُوى قوية جداً ، وأموال كثيرة جداً ، كل ذلك مسخَّر لحرب
الإسلام على خطط محكمة ، والمسلمون أكثرهم غافلون .
يَجِدُّ أعداؤهم ويهزلون ، ويسهر خصومهم وينامون ، أولئك يحاربون صفاً واحداً ،
والمسلمون قد فرَّقت بينهم خلافات في الرأي ، ومطامع في الدنيا .
يدخلون علينا من بابين كبيرين ، حولهما أبواب صغار لا يُحصى عددها ، أما البابان
الكبيران فهما باب الشبهات وباب الشهوات . أما الشبهات فهي كالمرض الذي يقتل من
يصيبه ، ولكن سريانه بطيء وعدواه ضعيفة . فما كل شاب ولا شابة إذا ألقيت عليه
الشبه في عقيدته يقبلها رأساً ويعتنقها .
أما الشهوات فهي داء يمرض وقد لا يقتل ، ولكن أسرع سرياناً وأقوى عدوى ، إذ يصادف
من نفس الشاب والشابة غريزة غرزها الله ، وغرسها لتنتج طاقة تستعمل في الخير ،
فتنشيء أسرة وتنتج نسلاً ، وتقوي الأمة ، وتزيد عدد أبنائها ، فيأتي هؤلاء
فيوجهونها في الشر ، للذة العاجلة التي لا تثمر . طاقة نعطلها ونهملها ودافع أوجد
ليوجه إلى عدونا ، لندافع بها عن بلدنا ، فنحن نطلقها في الهواء ، فنضيعها هباء ،
أو يوجهها بعضنا إلى بعض .
هذا هو باب الشهوات وهو أخطر الأبواب . عرف ذلك خصوم الإسلام فاستغلوه ، وأول هذا
الطريق هو الاختلاط .
بدأ الاختلاط من رياض الأطفال ، ولما جاءت الإذاعة انتقل منها إلى برامج الأطفال
فصاروا يجمعون الصغار من الصبيان والصغيرات من البنات .
ونحن لا نقول أن لبنت خمس سنين عورة يحرم النظر إليها كعورة الكبيرة البالغة ،
ولكن نقول أن من يرى هذه تُذَكِّرُهُ بتلك ، فتدفعه إلى محاولة رؤيتها .
ثم إنه قد فسد الزمان ، حتى صار التعدي على عفاف الأطفال ، منكراً فاشياً ،
ومرضاً سارياً ، لا عندنا ، بل في البلاد التي نعدُّ أهلها هم أهل المدنية
والحضارة في أوربا وأمريكا .
كان
أعداء الحجاب يقولون أن اللواط والسحاق ، وتلك الانحرافات الجنسية سببها حجب
النساء ، ولو مزقتم هذا الحجاب وألقيتموه لخلصتم منها ، ورجعتم إلى الطريق
القويم . وكنا من غفلتنا ومن صفاء نفوسنا نصدقهم ، ثم لما عرفناهم وخبرنا خبرهم ،
ظهر لنا أن القائلين بهذا أكذب من مسيلمة .
إن كان
الحجاب مصدر هذا الشذوذ ، فخبروني هل نساء ألمانيا وبريطانيا محجبات الحجاب
الشرعي ؟ فكيف إذن نرى هذا الشذوذ منتشراً فيهم حتى سَنّوا قانوناً يجعله من
المباحات ؟
ثم إن أصول العقائد ، وبذور العادات ومبادئ الخير والشر ، إنما تغرس في العقل
الباطن للإنسان ، من حيث لا يشعر في السنوات الخمس أو الست الأولى من عمره ،
فإذا
عودنا الصبي والبنت الاختلاط فيها
، ألا تستمر هذه العادة إلى السبع والثمان ؟ ثم تصير
أمراً عادياً ينشأ عليه الفتى ، وتشب الفتاة ، فيكبران وهما عليه ؟ وهل تنتقل
البنت في يوم معين من شهر معين ، من الطفولة إلى الصبا في ساعات معدودات ، حتى
إذا جاء ذلك اليوم حجبناها عن الشباب ؟
أم هي
تكبر شعرة شعرة
، كعقرب الساعة تراه في الصباح ثابتاً فإذا عدت إليه بعد ساعتين
وجدته قد انتقل من مكانه . فهو إذن يمشي وإن لم تر مشيه ، فإذا عودنا الأطفال على
هذا الاختلاط فمتى نفصل بينهم ؟
والصغير لا يدرك جمال المرأة كما يدركه الكبير ، ولا يحس إن نظر إليها بمثل ما
يحس به الكبير ، ولكنه يختزن هذه الصورة في ذاكراته فيخرجها من مخزنها ولو بعد
عشرين سنة . أنا أذكر نساء عرفتهن وأنا ابن ست سنين ، قبل أكثر من سبعين سنة .
وأستطيع أن أتصور الآن ملامح وجوههن ، وتكوين أجسادهن .
ثم إن من تُشْرِف على تربيته النساء يلازمه أثر هذه التربية حياته كلها ، يظهر في
عاطفته ، وفي سلوكه ، في أدبه ، إذا كان أديباً . ولا تبعد في ضرب الأمثال ،
فهاكم الإمام ابن حزم يحدثكم في كتابه العظيم الذي ألَّفه في الحب " طوق الحمامة
" حديثاً مستفيضاً في الموضوع .
خلق الله الرجال والنساء بعضهم من بعض ، ولكن ضرب بينهم بسورٍ له باب باطنه فيه
الرحمة وظاهره من قِبَلِهِ العذاب . فمن طلب الرحمة والمودة واللذة والسكون
والاطمئنان دخل من الباب ، والباب هو الزواج . ومن تسوَّر الجدار أو نقب السقف ،
أو أراد سرقة متعة ليست له بحق ، ركبه في الدنيا القلق والمرض وازدراء الناس ،
وتأديب الضمير ، وكان له في الآخرة عذاب السعير ] " ذكريات الشيخ على الطنطاوي
(5/268-271) "
هذا ما قاله الشيخ عن بلادٍ غير بلادنا ، والسعيد من وُعِظَ بغيره ولم يتعظ به
الناس ، فليحذر الذين يدندنون حول هذا الموضوع في بلادنا أن يشملهم قوله تعالى :
{ إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا
لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ }
[النور:19]
جنبنا الله مسالك أهل الفساد والإفساد ، وجعلنا من الهُداة المهتدين ، وصلى الله
على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين .
من موقع صيد الفوائد
|